عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

251

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

( 72 ) سورة الجن مكية ، وآيها ثمان وعشرون آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّه اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ( 1 ) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِه ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ( 2 ) * ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ ) * وقرئ « أحي » وأصله وحى من وحى إليه فقلبت الواو همزة لضمتها ووحى على الأصل وفاعله : * ( أَنَّه اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ) * والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة ، و * ( الْجِنِّ ) * أجسام عاقلة خفية يغلب عليهم النارية أو الهوائية . وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها ، وفيه دلالة على أنه عليه الصلاة والسلام ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبر اللَّه به رسوله . * ( فَقالُوا ) * لما رجعوا إلى قومهم . * ( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً ) * كتابا . * ( عَجَباً ) * بديعا مباينا لكلام الناس في حسن نظمه ودقة معناه . وهو مصدر وصف به للمبالغة . * ( يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ) * إلى الحق والصواب . * ( فَآمَنَّا بِه ) * بالقرآن . * ( ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ) * على ما نطق به الدلائل القاطعة على التوحيد . وأَنَّه تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا وَلَداً ( 3 ) وأَنَّه كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّه شَطَطاً ( 4 ) وأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ والْجِنُّ عَلَى اللَّه كَذِباً ( 5 ) * ( وَأَنَّه تَعالى جَدُّ رَبِّنا ) * قرأه ابن كثير والبصريان بالكسر على أنه من جملة المحكي بعد القول ، وكذا ما بعده إلا قوله : * ( وأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا ) * * ( وأَنَّ الْمَساجِدَ ) * ، * ( وأَنَّه لَمَّا قامَ ) * فإنها من جملة الموحى به ووافقهم نافع وأبو بكر إلا في قوله : * ( وأَنَّه لَمَّا قامَ ) * على أنه استئناف أو مقول ، وفتح الباقون الكل إلا ما صدر بالفاء على أن ما كان من قولهم فمعطوف على محل الجار والمجرور في * ( بِه ) * كأنه قيل : صدقناه وصدقنا * ( أَنَّه تَعالى جَدُّ رَبِّنا ) * أي عظمته من جد فلان في عيني إذا عظم ، أو سلطانه أو غناه مستعار من الجد الذي هو البخت ، والمعنى وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته أو لسلطانه أو لغناه وقوله : * ( مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا وَلَداً ) * بيان لذلك ، وقرئ « جدا » على التمييز « جدّ ربنا » بالكسر أي صدق ربوبيته ، كأنهم سمعوا من القرآن ما نبههم على خطأ ما اعتقدوه من الشرك واتخاذ الصاحبة والولد . * ( وَأَنَّه كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا ) * إبليس أو مردة الجن . * ( عَلَى اللَّه شَطَطاً ) * قولا ذا شطط وهو البعد ومجاوزة الحد ، أو هو شطط لفرط ما أشط فيه ، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى اللَّه . * ( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ والْجِنُّ عَلَى اللَّه كَذِباً ) * اعتذار عن اتباعهم السفيه في ذلك بظنهم أن أحدا لا يكذب على اللَّه ، و * ( كَذِباً ) * نصب على المصدر لأنه نوع من القول أو الوصف المحذوف ، أي قولا مكذوبا فيه ، ومن قرأ * ( أَنْ لَنْ تَقُولَ ) * كيعقوب جعله مصدرا لأن التقول لا يكون إلا * ( كَذِباً ) * .